محمد سعيد رمضان البوطي
266
فقه السيرة ( البوطي )
ويشبه هذا ، ما مر بيانه ، عند الحديث عن أبي دجانة في غزوة أحد ، فقد قلنا : إن كل ما يدل على التكبر أو التجبر في المشي ممنوع شرعا ولكنه جائز في حالة الحرب بخصوصها بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم عن مشية أبي دجانة : « إنها مشية يكرهها اللّه إلا في هذا الموضع » . خامسا : ( مشروعية الهدنة بين المسلمين وأعدائهم ) ، استدل العلماء والأئمة بصلح الحديبية على جواز عقد هدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة ، سواء أكان ذلك بعوض يأخذونه منهم أم بغير عوض ، أما بدون عوض ؛ فلأن هدنة الحديبية كانت كذلك ، وأما بعوض ؛ فبقياس الأولى لأنها إذا جازت بدون عوض ، فلأن تجوز بعوض أقرب وأوجه . وأما إذا كانت المصالحة على مال يبذله المسلمون ، فهو غير جائز عند جمهور المسلمين ، لما فيه من الصغار لهم ، ولأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على جواز ذلك ، قالوا : إلا إن دعت إليه ضرورة لا محيص عنها وهو أن يخاف المسلمون الهلاك أو الأسر فيجوز ، كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال . سادسا : ذهب الشافعي وأحمد رضي اللّه عنهما وكثير من الأئمة إلى أن الصلح لا ينبغي أن يكون إلا إلى مدة معلومة ، وأنه لا يجوز أن تزيد المدة على عشر سنوات مهما طالت ، لأنها هي المدة التي صالح النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قريشا عليها عام الحديبية . سابعا : الشروط في عقد الهدنة تنقسم إلى صحيحة وباطلة ، فالصحيح : كل شرط لا يخالف نصا في كتاب اللّه أو سنة نبيه ، مثل أن يشترط عليهم مالا أو معونة للمسلمين عند الحاجة ، أو يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلما أو بأمان ، ولقد أطلق الأئمة صحة هذا الشرط الأخير ، ما عدا الشافعي رضي اللّه عنه ، فقد شرط لذلك أن تكون له عشيرة تحميه بين الكافرين ، وحمل على ذلك موافقة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على هذا الشرط لقريش « 1 » . والباطل : كل شرط فيه معارضة لحكم شرعي ثابت ، ومنه أن يشترط ردّ النساء المسلمات أو مهورهن إليهم ، أو إعطائهم شيئا من سلاح المسلمين أو أموالهم ، وأساس
--> ( 1 ) راجع للتوسع في موضوع الهدنة ، مغني المحتاج : 4 / 260 ، والمغني لابن قدامة : 9 / 290 ، والهداية : 2 / 103 ، وبداية المجتهد : 1 / 374 .